الشيخ محمد رشيد رضا

444

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عظيم بالمال والجاه كالوليد بن المغيرة المخزومي من مكة وهي احدى القريتين أو عروة ابن مسعود الثقفي من الطائف وهي القرية الأخرى . - وقيل المراد بعظيم مكة أبو جهل - والشواهد على هذا القياس الجهلي كثيرة عنهم وعن غيرهم وقد رد اللّه تعالى عليهم بقوله أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ وهذا الاستفهام للتقرير على أكمل وجه لبنائه على إحاطة علمه تعالى ، ووجه الرد أن الحقيق بمنّ اللّه وزيادة نعمه انما هم الذين يقدرونها قدرها ، ويعرفون حق المنعم بها ، فيشكرونها له ، باستعمالها فيما تتم به حكمته وتنال مرضاته - لا من سبق إنعامه عليهم فكفروا وبطروا ، وعتوا عن أمره واستكبروا ، بل هؤلاء جديرون بأن يسلب منهم ، ما كان أنعم به عليهم ، وبهذا مضت سنته في عباده ، ولولا ذلك لكانت النعم خالدة تالدة لا تنزع ممن أوتيها ؛ بل تزاد وتضاعف له وان كفر بها ، وإذا لما افتقر غني ، ولا ضعف قوي ، ولا ذل عزيز ، ولا ثل عرش أمير ، وهل الحق الواقع الاخلاف هذا ؟ وهل فتن أولئك الكبراء الا بالواقع لهم من الغنى والقوة فظنوا لقصر نظرهم ، وغرورهم بحاضرهم ، وجهلهم بسنة اللّه في أمثالهم ، انه تعالى ما أعطاهم ذلك الا تكريما لذواتهم ، وتفضيلا لهم على غيرهم ، حتى إن أحدهم ليحسب ان هذا حق له على ربه في الدنيا والآخرة ، وان كان لا يؤمن بالآخرة ، كما بين تعالى ذلك بقوله ( 41 : 49 وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ) وأنزل في العاصي ابن وائل من طغاة قريش ( 19 : 77 أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً ) أي في الآخرة - الآيات - وقال بعض المغرورين بهذا القياس لقد أحسن اللّه فيما مضى * كذلك يحسن فيما بقي وقد كشف اللّه تعالى هذا الغرور في آيات كثيرة وضرب لأصحابه الأمثال كمثل ذي الجنتين في سورة الكهف ، وزجر أهله وأضدادهم في سورة الفجر ، وفصل لهم الحقيقة في سورة الإسراء ، بقوله ( 17 : 20 كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ ) وهذا الرد على المشركين هنا يدل على أنه لا يدوم لهم من النعم ما اغتروا به ، ولا يبقى المؤمنون على الضعف الذي صبروا عليه ، بل لا بد ان تنعكس الحال ، فيسلب